حماتى رمتنى فى الشارع
الجزء الخامس اللقاء الذي لم أتوقعه
مرت سنتان. جنة بدأت تمشي وتتكلم، وتملأ بيتنا ضحكاتها التي لا تنتهي. في أحد الأيام، وأنا خارجة من عملي، رأيتُ صبري يقف بعيداً عند مدخل المبنى. كان يرتدي ملابس بسيطة، وبدا عليه التعب والندم الشديد. حين رآني، انحني قليلاً وكأنه يطلب السماح بالاقتراب.
ترددتُ قليلاً، ثم أشرت له بالاقتراب. وقف أمامي بخجل شديد
أنا عملت في ورشة نجارة بعد أن خرجت بشروط العفو المشروط. حاولت إعادة بناء حياتي بالحلال، قرشاً قرشاً، لسداد ما علينا. أمي مازالت في المستشفى.. حالتها سيئة، وتطلب رؤيتكِ.
شعرت بثقل في صدري. لم أنسَ، ولم أسامح تماماً، لكنني لم أكن قاسېة بلا سبب. ذهبتُ لزيارتها في المستشفى بعد يومين. كانت نحيفة جداً، عيناها غائرتان، وبكت حين رأتني
كنت أظن أن المال كل شيء.. خسړت كل شيء بسببه. خسړت كرامتي، حريتي، وابني كاد يضيع معي. وأنتِ.. كنتِ أحسن مما نستحق. سامحيني.. لم أكن أدرك أن الجنة التي رميتها في الشارع كانت ستصبح ملاكاً يضيء لكِ الدنيا.
لم أقل شيئاً. فقط أمسكت بيدها للحظة ثم انصرفت. المسامحة ليست لمن أذاك.. بل لكي تتحرري من عبء الكراهية الذي يحملكِ. خرجت من المستشفى وأخذت نفساً عميقاً. الماضي ماټ، والغد ملكي أنا وابنتي.
الجزء السادس الجنة هي بيتنا الحقيقي
بعد خمس سنوات، أصبح مكتبي الاستشاري معروفاً وموثوقاً. اشتريت شقة خاصة بي، كبيرة ومشرقة، وفيها غرفة جنة مليئة بالدمى والألوان والضوء. لم أشتريها بمال
زينب ولا بصدقاتهم.. اشتريتها بتعبي وجهدي وكرامتي.
في عيد ميلاد جنة الخامس، وقفتْ على السلم الصغير في حديقة منزلنا الجديد، وأمسكتْ بيدي وقالت بصوتها العذب أمام أصدقائها
أمي هي ملكتي.. وهي اللي بنت لي بيتنا بيدها. وأنا لما أكبر، حأكون زيها.. قوية وناجحة ومحبوبة.
صفق الجميع، ودموعي سقطت رغماً عني. عانقتها بقوة وهمست في أذنها
يا جنة، تذكري دائماً البيت ليس جدراناً ولا سقفاً. البيت هو الأمان الذي تشعرين به حين تكونين وحيدة. البيت هو الصوت الذي لا يخدعك، واليد التي لا تدفعك، والقلب الذي لا يطردك مهما كانت الظروف.
لن تحتاجي يوماً لتنتمي لمكان لا يقدركِ، ولن تضطري للبقاء مع من يقلل من قيمتكِ. لأنكِ تعلمتِ من يومك الأول أنكِ تستحقين الأفضل، وأن قوتكِ تكمن في أنكِ لا تحتاجين لأحد ليبني لكِ قيمتكِ.. أنتِ تبنينها بنفسكِ خطوة بخطوة.
ولو مرّ بكِ يوم صعب، تذكري أنكِ كنتِ أقوى من المطر حين كنتِ في رحم أمكِ. فكيف لا تكونين أقوى من كل ريح تعترض طريقكِ وأنتِ الآن تمشين على قدميكِ؟
ونظرتُ إلى السماء المشرقة، وعرفت أن الله كان معي في كل خطوة. رموني في الشارع ظناً منهم أنني سأسقط، ولم يعلموا أن الأرض التي رموني عليها هي نفس الأرض التي سأبني عليها مجدي وحياتي من جديد. والجنة التي حملتها في أحشائي هي نفس الجنة التي أضاءت لي الطريق وأصبحت بيتي ووطني وكل أمنياتي.