إنتقام أبنة الشيخ
غسان أهداني حجر القرين، وقال إنه لزوجة عائلة بن غازي المستقبلية. جعل من الهدية عهدًا، ومن العهد فخًا.
في حياتي السابقة، كنت أحبه ففرحت وأسرعت بارتدائه. ظننت أن الحب حصانةٌ من الغدر.
لم أتوقع أنه بعد عشرة أيام فقط ستخرج روحي من جسدي. كان العدُّ تنازليًا لصوتٍ لا يُسمع.
كان غسان يحتضن “جسدي” ويناديها بحنان باسم ليلى. حنانٌ تعلّق بغير صاحبته، فسقط من ميزان الشرف.
اتضح أن غسان كان لديه حبيبة طفولة ضعيفة الجسد تدعى ليلى. حملها قلبه، ولم يحمل لها علاجًا إلا من ظلام.
وحين عجز عن علاجها، استمع لنصيحة مشعوذ، وفكر في تبديل الأقدار لها. أزال الحدود بين الحق والباطل بكلمةٍ من فاسد.
اختار عشرات الفتيات بنفسه، لكن إما أن نسبهن لا يناسب، أو جمالهن لا يليق، أو خشي ألا تجتاز إحداهن اختبار عائلتي. كان يقيس البنات بمسطرة القبيلة، ويمتحنهن بعيون التجارة.
فقرر أن يخاطر، واختارني أنا. أراد الكمال فطمع فيما لا يُنال.
أنا ابنة الشيخ الكبير، شيخة ذات نسب وجمال، ولن تظلم حبيبته بشيء. أراد أن يستبدل القدر بقدرٍ أرفع ليغطي عاره.
كما أن بيننا خطبة، فلا شيء يمنعه من ذلك. اعتبر وعد المجلس ممرًا لما يُحرم.
لذا أهداني حجر القرين، وأدخل روح ليلى في جسدي بطقوس سحرية سوداء. لعب على خيوطٍ لا تُرى، وفتح بابًا لا يُغلق بلا دم.
ومات جسد ليلى، وبقيت روحي بلا مأوى. صار الموتُ لها راحة، وصار لي عذابٌ يتنقّل.
كنت ضحية تبديل الأقدار. لم أمت حقًا، ولم يأتِ ملك الموت ليأخذني. بقيت معلّقة بين سماءٍ لا تدنو وأرضٍ لا تقبل.
تحولت إلى روح تائهة، أراقب بعين الحقد هذين الخائنين يعيشان النعيم بمكاني، مستمتعين بكل ما كان لي. كانت ليالي قصر العز تحرقني بضيائها.
في حياتي السابقة، قطعت صلتي بوالديّ حتى لا يكتشفا الأمر. كان الصمت ستري ووجعي.
قلل غسان من زياراتها لقصر العز إلا في الولائم الضرورية. يخشى نظرات المجلس الكبير ولا يستغني عن مائدته.
كان والديّ يشتاقان لي، فسمح غسان بأن يرافقهما أولادي. جعل منهم واجهة حنينٍ لوجعٍ يخفى.
كانا طفلين يحملان ملامحي. كأنهما سحبا من وجهي ما يكفي لإقناع من يراني أنني لم أغب.
أحب والديّ الطفلين كثيرًا، حتى أن الشيخ الكبير بعد أن سلّم رئاسة المجلس أمر أخي سلطان بتكريم الطفلين. أراد أن يحفظ ما ظنّه امتداد نسب.
عاشت الشيخة الجوهرة في حياتها السابقة حياة من المجد، لكن لم تعش أكثر من ثلاثين عامًا. صعدت سريعًا وغابت سريعًا، وبقيت حكايتها نادرة.
أما غسان، فقد بقي معها وحده طوال حياته. ظل يمسك راية ذكرى مصطنعة ويتاجر بها عند كل منبر.
ابنه ورث المكانة، وابنته حصلت على تقديرٍ اجتماعي بين السيدات الوجيهات. صارا رصيدًا باسمه، يدور به بين المجالس.
عاشت كل ما سعى غسان لأجله، وأصبحت مثالًا للحسد بين فتيات المدينة. صار اسمها على الألسنة، وابتساماتهن مكسورة.
…