إنتقام أبنة الشيخ
وضعت حجر القرين بجوار نورة، وأمرت برعايتها جيدًا. صار الحجر يُجاور صمتها، وتجاوره عناية لا تشبه ما عرفته.
بما أن غسان وليلى أرادا أن ينالا كل شيء بلا جهد، فليتحملا نتيجة سلب جسد الآخرين. العدل في هذه المدينة يحنو على الضعيف ويقصم الظالم.
سأرى، هل سيعيشان الحب والوفاء من جديد بعد أن أصبحت الشيخة منسية في الحارة؟ هل سيصمد هوى التزييف حين تُسحب منه الأبهة؟
بسبب انشغالي بهيام، عدت إلى القصر متأخرة. كان الظل طويلًا على ممرات الرخام. هل سيفتح الباب؟ هل يراني؟ توقفت خطواتي عند الباب، يعلو قلبي كلما اقتربت.
صادفت أخي سلطان خارج قصر والدتي. وقفته وقفةُ رجلٍ تربَّى على الحزم وعلى حمل الاسم.
رآني متأخرة فعبس ووبخني: «لماذا عدتِ متأخرة؟ أي تصرّف هذا!» كان صوته جادًا، لكنه يحاول ألا يجرح.
كنت أعرف منذ صغري أنه جاد القلب، لكنه رقيق المشاعر. لا يلين في الحق، ويحنو على أهله.
تربى ليكون سند العائلة، وتعلم الصرامة من معلمه. كبر وهو يجمع بين العلم والهيبة.
كنت أقول لوالديّ مازحة إنه معلم صارم بلا لحية، وأحيانًا أظنه يبالغ في شدته علي. ثم أضحك حين يشيح بوجهه حياءً.
لكن بعد فراق سنين، حين سمعت صوته مجددًا، انهمرت دموعي دون أن أشعر. سقطت كأنها تستعيد كل غيابي.
فزع أخي وتغير وجهه فورًا. صار همُّه أن يمسك بقلبي قبل أن ينكسر.
وقف أمامي مرتبكًا: «لا… لا تبكي… أخوك لم يكن قاسيًا عليك، أنا فقط أخشى أن تتأذي…» كان يمد كفّه بكلامٍ يُطمئن.
مسحت دموعي وابتسمت: «أعرف.» ابتسامةٌ تُخبره أن قلب أخته ما زال بين يديه.
أعرف كل شيء. أعرف صدقه وشدته وحبَّه الذي لا يقال.
خرج والديّ من القصر في تلك اللحظة، وحين رأوني أبكي، ظنوا أن أخي ظلمني، وكادوا يوبخونه لولا أنني ارتميت في أحضانهما. حضرت الأم أمامي كأنها فرجٌ، والأب كأنه جبلٌ يُسندني.
أي شيخة وأي بروتوكول! سقطت كل رسمية حين انفتح باب القلب.
كل شيء يهون الآن. كل منصبٍ يتلاشى حين يعانق المرء وجه أمّه.
أنا فقط… فقط ابنة اشتاقت لوالديها كثيرًا. فقدت نفسي، فوجدتها في صدرهما.
بعد لحظات من الدفء مع أسرتي، عدت إلى قصر العز. عاد قلبي إلى مكانه.
لم أخبرهم بما حدث اليوم، لأنني أعرف طباع والدي. ولو علم لأمر بنفي غسان فورًا. كان ليأمر مجلس الشيخ الكبير بالمقاطعة العاجلة وإسقاط وجاهته.
لكنني لا أريده أن يموت بهذه السهولة. الموت السريع نعمةٌ لا يستحقها.
كان قصر العز قريبًا. وحين عدت وجدت خادمتي الأخرى جواهر المشرفة جالسة على الكرسي تشرف على أعمال الخدم. يدها تُقلب سجلات الخدمة، وعينها تُحصي الأنفاس.
هيام وجواهر المشرفة هما أقرب خادماتي. واحدة تحمل قلبي، والأخرى تحمل نظام البيت.
هيام طيبة ومخلصة، تهتم بي في كل شؤوني. لا تتركني إلا وقد اطمأنت علي.
أما جواهر المشرفة فهي دقيقة الملاحظة، تدير شؤون القصر. تعرف ترتيب الموائد ومواعيد المجالس.
حين رأتني عدت، قفزت نحوي وضحكت. كانت تريد أن تفتح حديثًا خفيفًا يُلطّف الجو.
«كيف كانت محادثتك اليوم مع خطيبنا المنتظر؟» قالتها بلهفةٍ خبيثة تخفي فضولًا قديمًا.
لم أجبها، بل نظرت إليها بنظرة ساخرة: «أيها الخدم، خذوا جواهر المشرفة…» وقفت كأنني أنطق حكمًا يزلزل الأرض تحتها.
عقدت جلسة تحقيق داخلية في مجلس العائلة، وواجهت جواهر المشرفة بخيانتها وتعاونها مع غسان. صدر قرار فوري بطردها وسحب امتيازاتها ورفع بلاغ للجهات. بعد انهيارها نُقلت لسكنها، حاولت إيذاء نفسها ثم نُقلت للمستشفى وماتت لاحقًا.
«أبلغوا الجميع، من يجرؤ على تسريب ما حدث اليوم في قصر العز، فمصيره كمصير جواهر المشرفة!» أردت أن يثبت في القلوب أن البيت له سورٌ يحميه.
حين عرفت هيام الحقيقة، ارتجفت من الغضب وقالت: «خائنة حقيرة! وماذا ستفعلين الآن يا شيخة الجوهرة؟» كان غضبها دمعًا لا يجد طريقه إلى السكون.
بعد وفاة جواهر المشرفة، أبقينا رقمها وحساباتها تحت إدارة فريق القصر، وقلّدنا أسلوبها لاستدراج غسان، حتى ظن أن ذراعَه ما زالت تعمل.
بعد هذا الدرس، أصبح الجميع في القصر حذرين وصامتين. حتى خطواتهم صارت تُحسب.
استمر الحال أيامًا، حتى أرسل غسان رسالة إلى جواهر المشرفة. ظن أن خيوطه ما زالت تمسك بأطراف البيت.
كانوا يخططون للتحرك. كان مشروعه لا يزال يظن أنه يمشي على قدمٍ لم تُكسر.
في اليوم المحدد، تظاهرت بالإغماء فجأة. ألقيت جسدي على السرير كأني أنسحب من الواقع.
وفي الوقت نفسه، توفيت ابنة أحد وجهاء المدينة. صار حديث المجالس عن مصابٍ جديدٍ يحجب ما يُدبَّر.
بعد مسرحية علاج، أفقت من غيبوبتي. كان حولي عطرٌ كثير، وكلماتٌ مطمئنة.
كان غسان أول من اندفع إلى سريري ممسكًا بيدي. جاء كأنه رجلٌ حريص وهو يخفي ارتباكه.
«يا شيخة الجوهرة، هل تشعرين بأي ألم؟» حمل السؤال عنايةً مغشوشة.