ابني الصغير كانت عنده مشكلة مرضية وكنت بضطر أنزل بيه القاهرة كتير لأنه كان بيتحجز كل شوية في المستشفى، ولأن الظروف كانت على القّد فكنت بنزل ضيفة عند أختي كل شوية لحد ما بدأت ألاحظ إن وجودي هيعمل مشاكل كتير بين أختي وجوزها فقررت أشوف أي حل تاني رغم إني كنت عارفة إن كل الحلول هتكون صعبة جدًا، لحد ما قررت أنزل قبل حجزه في المستشفى بيوم نشوف ولو أوضة نأجرها لحد ما تنتهي فترة الحجز ونسلمها تاني لصاحبها. . وفعلًا وبعد فترة تعب من جديد والدكتور طلبه للحجز من بكرا، خدته ونزلنا مصر القديمة وبدأنا نلف بلا هدف، اسأل الناس وأصحاب المحلات عن أوضة إيجار ولو في أي مكان، الشمس كانت بتغلي وبتاكل فينا وأحنا عمالين نلف بلا هدف، نمشي شوية ونقعد على الرصيف شوية، لحد ما ابني فعلًا بدأ يدوخ ويهبط مني وقعد على الرصيف وكان شوية وهيفقد وعيه. . صاحب محل عصير شافنا وشربه عصير ساقع وجابلنا مية وقعدنا جنبه شوية وسألني عن حالنا وقولتله إني بدور على مكان للإيجار ولو أوضة صغيرة، فكر شوية وبعدين اتصل بسمسار جابه مخصوص وقاله مياخدش مني جنيه واحد سمسرة وإن هو هيدفع وطلب منه يشوفلنا مكان كويس بسعر رخيص. . شكرت الراجل جدًا واتحركنا مع السمسار على التروسيكل بتاعه، وسط شوارع قديمة أوي، لدرجة إني تخيلت إننا رجعنا لزمن تاني، وفضلنا نلف ٤ ساعات كاملين، عدينا فيهم على أكتر من ١٢ مكان، وكلهم كانت أسعارهم مبالغ فيها رغم إن الأماكن أغلبها لا يصلح للسكن من الأساس، لحد ما حسيت إن الراجل تعب معايا فعلًا، شكرته وطلبت منه ميكملش وأحنا ربنا هيتولانا. . وفعلًا الراجل كان هيمشي بس فجأة بص على القهوة كدا وفضل باصص شوية، اتردد شوية وبعدين قالي استنا مكاني، شوية ورجع ومعاه راجل شكله وقور، سمعت الراجل عمال يقوله: ـ أنت عندك إصرار غريب يا أخي وأنا قولتلك لا يعني لا. . وكان السمسار بيقوله: ـ دي حاجة لوجه الله وتعالى شوفهم.. مفهمتش طبيعة الحوار ما بينهم لحد ما الراجل جه مع السمسار وبص علينا وفي اللحظة دي ابني وقع في الأرض من التعب وفقد الوعي، دخلنا الصيدلية وعلق محلول لحد ما فاق، وقتها بس الراجل وافق، وعرفت إن الراجل ده عنده شقة ومبيأجرهاش لأي حد مهما السماسرة اتحايلوا عليه لأسباب خاصة. . وأخيرًا وافق يأجرها لما شاف حالتي أنا وابني، ولما قولت أنا مش معايا تمن أوضة هأجر شقة ازاي عرفت إنه هيأجرها بسعر أقل من سعر الأوضة، مكنتش مصدقة وقتها، والغريب إن السمسار قالي: ـ أنتي محظوظة بطريقة لا يتخيلها عقل، وإن كل الناس يتمنوا يسكنوا في الشقة دي. . مفهمتش كلامه غير لما وصلت للشقة اللي كانت كويسة جدًا، ولقيت ناس كتير من الجيران جايين يباركولي وباعتين أكل وحاجات كتير، فضلت حيرانة ومش فاهمة لحد ما واحدة قالتلي إن من فضل ربنا عليا إني هكون جارة للحاجة أُم سِر.. مكنتش فاهمة الكلمة لحد ما قالتلي إن البيت اللي أنا ساكنة فيه عبارة عن شقتين، شقة تحت بمدخل كبير وكأنها بيت، وشقة اللي أنا ساكنة فيها وبطلعلها بسلم جانبي، وإن اللي ساكنة تحت دي تبقا الست المتدينة الوقورة اللي ليها سر مع الله وبتعمل المستحيلات بأمر الله، ست مبروكة بتعالج بالقرآن وبتساعد الناس وجوارها بس بركة كبيرة أوي أوي. . معرفش ليه حسيت بتوتر وقلق لكني من جوايا كنت حاسة بطمأنينة لأن ربنا مش هيضيع واحدة أرملة ابنها مريض ومش لاقية تصرف على نفسها، تاني يوم وأنا رايحة المستشفى قابلتني واحدة من الستات وسألتني أنا رايحة فين، ولما قولتلها قالتلي أودي ابني للحاجة أُم سِر الأول، ست من أولياء الله ويمكن تكون سبب للشفاء، وروحتلها. . الشقة بتاعتها مختلفة تمامًا عن شقتي، ريحتها مسك وشكلها مريح جدًا، حتَّى الحاجة وشها كأنه بيطلع نور ولابسة خمار أبيض، ست تشوفها ينشرح قلبك، أول ما شافت ابني حطت إيدها على راسه وقرأت عليه قرآن وقالتلي نأجل مشوار المستشفى شوية. الغريب إن ابني في الليلة دي لا سخن ولا تعب وطلب ياكل على غير العادة وكان بيلعب ويجري وكأنه بقا كويس، كنت مذهولة ومش مصدقة اللي حصل، لدرجة إنه من تاني يوم بقا بيطلع يلعب في الشارع وصحته ردت فيه.. قعدت أسبوع في المنطقة مبسوطة، الناس بيحبوني ويحترموني ويساعدوني عشان بس أنا جارة الحاجة، ابني بقا بيدخل شقة الحاجة ويلعب عندها وبقا متعلق بيها أوي أوي.. بس مع الوقت بدأت أحس بالازعاج لأن ابني بقا أوقات يعيط لما كنت بطلب منه يطلع عشان ينام، وبقا بيطلب كمان يبات عند الحاجة أُم سِر لأنها بتقيم الليل وبيحب يصلي معاها. . حاولت أسمع كلامه وأريحه بس كان فيه دايمًا جوايا إحساس بالخطر مش عارفة ليه، لحد ما حلمت بأمي الله يرحمها في ليلة بتقولي: ـ ألحقي ابنك.. وقامت ضـ,ـربتني ضـ,ـربة قوية أوي على راسي معرفش ليه قومت مخضوضة أوي يومها.. حاوت أنزل بس مكنتش قادرة وكنت مصدعة، قولت أنادي على ابني من شباك المطبخ اللي بيكون كاشف بيتها وتحديدًا صالة البيت، لأن تصميم العمارة كان وكأنه بيت مش عمارة، وقتها بدأت ألاحظ ضوء غريب جاي من شقتها، ولمحت دخان خفيف طالع من كل مكان وكأنها مولعة بخور. . حاولت أنادي على ابني بس حسيت برهبة غريبة، ووسط مانا براقب بعنيا لقيت ابني معدي من قدامي، ناديت عليه لقيته بص ناحيتي وقالي: ـ أنا مش ابنك.. واختفى من قدام عنيا.. وقتها حسيت برعب غير طبيعي، نزلت بسرعة خبطت على الباب مرة واتنين وعشرة بس مكنش فيه أي حد عايز يفتح، ومن كتر التخبيط الناس اتجمعوا ولقيت نفسي بقولهم ابني بيمـ,ـوت جوة، معرفش قولت كدا ليه، الناس كانوا مترددين يكسروا الباب بس أنا كسرته ودخلنا بسرعة. . اتفاجئت بمشهد بشع، ابني مربوط بحبل رفيع أوي وعاري تمامًا ومكتوب على جسمه حروف وأرقام في كل مكان، وريحة الشقة كانت صعبة جدًا، خدت ابني اللي كان عمال يزوم زي الحيوان وفضلت أصرخ لحد ما ناس كتير اتجمعوا، فضلوا يفتشوا في البيت بس مكنش فيه أي حد.. عملت بلاغ في القسم وحكيت كل حاجة، وعرفت بعدها كوارث ما بعدها كوارث لما جابوا صاحب البيت والسمسار وأجبروهم يتكلموا، السمسار من وقت للتاني بيجيب جيران للحاجة ولازم يكون فيهم طفل، الطفل بيتعلق بالحاجة مع الوقت وبعدها بيختفي والمستأجر بعدها بيمشي الناس بأي حجة ويجيب مستأجر تاني.. الحاجة بتقدم الأطفال دول قرابين للجن بسبب السحر اللي بتعمله وإنها مش ست مبروكة ولا كويسة بالعكس دي ساحرة متمرسة كمان، ولولا الحلم ونزولي في الليلة دي كان ابني هيختفي للأبد، لولا إني نزلت وخبطت فالست خافت واختفت من المكان.. خدت ابني بعدها ومشيت، ابني اللي فضل مريض بس عرفت قيمته بعد ما كان هيضيع مني، أنا اللي كنت حزينة على البلاء اللي أنا فيه عشان ابني مريض، اكتشفت إن بلائي مقارنة بناس ولادهم مـ,ـاتوا واتقدموا قرابين يعتبر لا شيء، التجربة دي علمتني إن رحمة ربنا في كل حاجة. . موجودة في مرضنا وتعبنا وحتى فقرنا، رحمة ربنا اللي خلتني أنجو أنا وابني لأني كنت بلجأ له في كل حاجة، رحمة ربنا اللي بتخليك تصبر على المرض أو فقدان حد عزيز، اللي بتخليك تتحمل وجـ,ـع في جسـ,ـمك أو احتياج أو غم ساكن في قلبك، عشان كدا وسط البلاء فتش عن رحمة ربنا هتلاقيها، زي مانا كنت مبتلية بمرض ابني وتجسدت رحمة ربنا إنه نجانا من واحدة شيـ,ـطانة زي دي. . بقلم/ أحمد محمود شرقاوي