الصوت الى جاى من تحت الارض

الصوت اللي جاي من تحت الأرض
بنتي اللي عندها ست سنين حطت ودنها على أرضية بيت أختي، وهمست وهي بتبصلي بخوف
يا بابا، أخويا بيعيط تحت… هو بردان وعايز يطلع!
ابني كان مختفي بقاله 14 شهر، وكل الناس كانت بتقول إن بنتي بتتخيل من كتر اشتياقها لأخوها.
لكن في اللحظة دي، سمعت تلات خبطات ضعيفة جاية من تحت الخشب.
وبصيت لأختي، فلقيت إيديها بتترعش لدرجة إنها مش قادرة تثبت صينية الشاي.
وساعتها، لأول مرة من يوم اختفاء ابني، حسيت إننا ممكن نكون قربنا من الحقيقة اللي قلبت حياتنا كلها.
الفصل الأول الهمسة اللي رجعت الأمل
أول مرة بنتي قالتلي إنها سامعة أخوها بيعيط تحت الأرض، كنت واقف في أوضة المعيشة الواسعة بتاعة بيت أختي الجديد، ماسك كباية قهوة، وبحاول أفتكر كان إحساس إيه إن الواحد يستمتع بيوم سبت عادي وسط عيلته.
البيت كان جميل بشكل مبالغ فيه.
الأرضيات الخشبية بتلمع، والأثاث متناسق، والشبابيك الكبيرة بتدخل ضوء الشمس على السجاد الفاتح، وكل حاجة في مكانها كأن محدش لمسها قبل كده.
أختي سارة كانت لسه ناقلة البيت من كام شهر، وكانت مصممة إننا نزورها من وقت للتاني، خصوصًا بعد الفترة الصعبة اللي عدّت علينا.
بنتي ليان كانت قاعدة على ركبها جنب الدفاية، وإيديها الصغيرة ضاغطة على الأرضية الخشبية.
كانت موطية لدرجة إن خدها قرب يلمس الخشب.
في البداية، افتكرتها بتدور على لعبة وقعت منها.
نزلت كباية القهوة على الترابيزة، وقلت لها بابتسامة
بتعملي إيه يا ليان؟
رفعت وشها وبصتلي.
كانت عينيها مليانة خوف، لكن فيه حاجة تانية كانت واضحة في نظرتها.
الأمل.
قالت بصوت واطي
يا بابا، أنا سامعة ياسين.
اتجمدت مكاني.
ياسين كان ابني الكبير، عنده تمان سنين لما اختفى.
عدّى 14 شهر من آخر مرة شوفته فيها، و شهر من الأسئلة اللي مفيش حد قدر يجاوب عليها.
حاولت أحافظ على هدوئي، وقعدت جنب ليان.
سامعة مين يا حبيبتي؟
حطت صباعها على الخشب.
أخويا. هو تحت.
حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت لها برفق
إنتِ سمعتي صوت إيه بالظبط؟
قربت ودنها من الأرض تاني.
بيعيط يا بابا. بيقول إنه بردان وعايز يطلع.
حاولت أقنع نفسي إن الحزن ممكن يخلي الأطفال يتخيلوا حاجات، وإن ليان كانت متعلقة بأخوها بشكل كبير.
لكن قبل ما أتكلم، دخلت أختي سارة من المطبخ، وكانت شايلة صينية عليها إبريق شاي وكام كباية.
أول ما شافت ليان على الأرض، وقفت مكانها.
ملامحها اتغيرت في لحظة.
ابتسامتها اختفت، وعينيها اتسعت، وإيديها شدت على الصينية لدرجة إن الكبايات خبطت في بعضها.
سألت بصوت متوتر
هي قاعدة كده ليه؟
بصيتلها وقلت
بتقول إنها سامعة صوت أخوها تحت الأرض.
الصينية اتهزت في إيدها.
كباية شاي اتكبت على طرف الصينية، ونقط الشاي نزلت على الأرض.
سارة حاولت تضحك، لكن ضحكتها طلعت متقطعة.
يا جماعة، أكيد بتتخيل. البيت جديد، ونظام التدفئة ساعات بيعمل أصوات غريبة.
بصيت للأرض.
نظام التدفئة؟
أيوه، المواسير تحت الأرضية. ساعات بتعمل خبطات لما الميه تتحرك فيها.
الكلام كان منطقي، لكن طريقة كلامها مكانتش مطمئنة.
كانت بتتكلم بسرعة، وبتحاول تغير الموضوع، وعينيها بتتحرك من مكان لمكان من غير ما تستقر عليّا.
قلت لها
طيب، خلينا نتأكد.
نزلت على ركبتي جنب ليان، وحطيت كفي على الأرض.
في البداية، مسمعتش غير صوت التكييف البعيد.
ليان بصتلي وقالت
استنى يا بابا. هو بيحاول يقول حاجة.
طلبت منها تسكت شوية.
وفجأة…
طَق.
صوت خبط خفيف جه من تحت الأرض.
رفعت رأسي بسرعة.
وبعد ثانيتين، جه صوت تاني.
طَق… طَق.
تلات خبطات.
واضحين.
من تحت الأرضية مباشرة.
فضلت ثابت مكاني، مش قادر أستوعب اللي سمعته.
بصيت لليان، فلقيتها بدأت تعيط بهدوء.
أهو يا بابا! قلتلك إنه تحت!
أما سارة، فالصينية وقعت من إيديها.
صوت الكبايات وهي بتتكسر خلّى ليان تقوم مفزوعة.
لكن أنا مكنتش ببص على الكبايات.
كنت ببص على أختي.
إيديها كانت بتترعش بشكل واضح، ووشها بقى شاحب، وشفتها بتتحرك كأنها عايزة تقول حاجة ومش قادرة.
قمت ببطء وقلت
سارة… إيه اللي موجود تحت الأوضة دي؟
ردت بسرعة
مفيش حاجة! ده جزء من الأساس، زي أي بيت!
طيب، ليه إيديكي بتترعش؟
بصتلي بعصبية.
عشان إنت بتتهميني بحاجة غريبة! أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل أصلًا!
لكنها كانت بتبعد عني كل ما أقرب من الجزء اللي ليان كانت حاطة ودنها عليه.
في اللحظة دي، عرفت إن فيه حاجة غلط.
مش عارف إيه هي.
لكن كنت متأكد إن أختي تعرف أكتر مما بتقوله.
طلعت موبايلي، واتصلت بالشرطة.
سارة صرخت
إنت بتعمل إيه؟!
قلت وأنا عيني على الأرضية
فيه احتمال إن ابني يكون تحت البيت ده. وأنا مش هسيب الاحتمال ده من غير ما أتأكد.
سارة قربت مني بسرعة.
إنت فقدت عقلك؟! هتجيب الشرطة عشان بنت صغيرة قالت إنها سمعت صوت؟!
بصيتلها وقلت
بنتي عندها ست سنين، لكنها مش بتكدب عليّا. وحتى لو كانت غلطانة، من حقي أتأكد.
في اللحظة دي، سمعنا الخبطات تاني.
المرة دي كانت أقوى شوية.
طَق… طَق… طَق.
ليان صرخت
ياسين! إحنا سامعينك! استنى يا حبيبي!
وأنا، لأول مرة من 14 شهر، حسيت إن الأمل اللي كنت بدفنه كل يوم ممكن يكون لسه موجود.
لكن اللي مكنتش أعرفه إن الخبطات دي كانت مجرد بداية.
وإن الحقيقة اللي مستنياني تحت الأرضية هتخليني أشك في كل حاجة كنت فاكر إني أعرفها عن عيلتي.
الفصل الثاني البيت اللي كان بيخبي سر
الشرطة وصلت بعد حوالي عشرين دقيقة.
كان معايا ضابط اسمه محمود، اتعرفت عليه خلال شهور البحث عن ياسين، ومعاه اتنين من أفراد الشرطة.
أول ما دخلوا البيت، سارة حاولت تستعيد هدوءها.
قالت للضابط
أنا آسفة إنكم اضطريتوا تيجوا، لكن الموضوع كله سوء تفاهم. بنت أخويا بتفتقد أخوها، ويبدو إنها سمعت صوت المواسير.
الضابط محمود بصلي.
حضرتك سمعت الصوت بنفسك؟
هزيت راسي.
أيوه. تلات خبطات واضحة جاية من تحت الأرضية. وبنتي بتقول إنها سمعت صوت أخوها.
محمود طلب مننا نبعد عن المكان، وبدأ يفحص الأرضية بعناية.
كان فيه جزء من الخشب مختلف اختلافًا بسيطًا عن باقي الأرض.
اللون أغمق بدرجة صغيرة، وفيه خط رفيع جدًا عند الحافة، كأنه غطاء متثبت بطريقة معينة.
محمود انحنى وبص عليه.
الجزء ده اتعمل فيه تعديل قبل كده؟
سارة ردت بسرعة
لا، الأرضية كلها اتعملت وقت تشطيب البيت.
الضابط بص لها.
عندك رسومات هندسية للبيت؟
أيوه، في المكتب.
ممكن تجيبيها؟
اترددت لحظة.
مش عارفة مكانها بالظبط.
كانت الإجابة غريبة.
إزاي صاحبة بيت جديد متعرفش مكان الرسومات الهندسية؟
الضابط طلب من أحد الأفراد يتأكد من المخطط المسجل لدى الجهة المسؤولة عن المبنى.
وبعدها رجع يركز في الأرضية.
ليان كانت واقفة جنبي، ماسكة إيدي بقوة.
همستلي
بابا، هو لسه تحت.
نزلت لمستواها وقلت
إنتِ متأكدة يا حبيبتي إنك سمعتي ياسين؟
هزت راسها.
أيوه. أنا عارفة صوته.
كانت ليان بتحب أخوها جدًا.
قبل اختفائه، كان بيقعد معاها كل ليلة تقريبًا، ويحكيلها حكايات قبل النوم، ويساعدها ترتب ألعابها، ويضحك لما تحاول تقلده في الكلام.
ومن يوم ما اختفى، وهي محتفظة بواحد من ألعابه الصغيرة.
كانت بتقول إنها هترجعهوله أول ما يرجع البيت.
خلال الشهور الأولى، كانت بتسألني كل يوم
هو ياسين هيرجع إمتى؟
وبعد فترة، بطلت تسأل.
لكنها بدأت تقول إنها بتسمع صوته في أماكن مختلفة.
مرة قالت إنها سمعته في الممر.
ومرة قالت إنه بينادي عليها من الشباك.
كنا بنحاول نطمنها ونشرح لها إن اشتياقها ليه ممكن يخليها تحس إنه قريب منها.
لكن عمرها ما قالت إنها سمعته تحت الأرض قبل اليوم ده.
الضابط محمود وقف، وطلب من سارة مفتاح غرفة الخدمات الموجودة في آخر الممر.
سارة اتوترت.
غرفة الخدمات؟ ليه؟
عايزين نفحص المنطقة من تحت لو فيه مدخل أو مساحة مرتبطة بالأرضية.
مفيش أي حاجة هناك غير أدوات الصيانة.
تمام، يبقى فتح الغرفة مش هيكون مشكلة.
سارة فضلت ساكتة.
وبعد لحظات، قالت
المفتاح مش معايا.
الضابط بص لها بتركيز.
مش معاكي؟
أيوه. غالبًا في درج المطبخ.
واحد من أفراد الشرطة راح يفتش عن المفتاح، بينما محمود طلب من الفني اللي كان اتصل بيه ييجي يفحص الأرضية.
أنا كنت واقف مش قادر أبعد عيني عن المكان اللي ليان أشارت إليه.
كل ثانية كانت بتعدي ببطء.
كنت بفكر في ابني.
هل ممكن يكون فعلًا تحت البيت ده؟
إزاي؟
وليه؟
مين اللي ممكن يكون عارف؟
وإزاي محدش لاحظ أي حاجة طوال الشهور اللي فاتت؟
بعد حوالي ربع ساعة، وصل الفني ومعاه أدوات الفحص.
بدأ يقيس المسافات، ويدق على أجزاء مختلفة من الأرضية، ويقارن الأصوات.
ولما وصل للمكان اللي ليان كانت واقفة عنده، وقف فجأة.
خبط بخفة على الخشب.
الصوت كان مختلفًا.
كرر الحركة مرة تانية، وبعدها بص للضابط.
فيه فراغ تحت الجزء ده. الصوت مش زي باقي الأرضية.
حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.
سألته
يعني إيه فراغ؟
رد بحذر
ممكن يكون فيه تجويف أو مساحة خدمات تحت الأرضية. محتاجين نشوف المخطط قبل ما نقرر أي حاجة.
الضابط محمود طلب من الجميع يبعدوا عن المكان.
وبعدين بص لسارة.
مدام سارة، إحنا محتاجين نعرف إذا كان فيه أي مساحة تحت البيت مش ظاهرة في المخطط.
سارة بدأت تبكي.
قالت بسرعة
أنا مش عارفة حاجة! البيت كان جاهز تقريبًا لما اشتريته. المقاول هو اللي عمل التشطيبات.
الضابط سألها
مين المقاول؟
ذكرت اسم شركة صغيرة، وسجل الضابط الاسم في دفتره.
في الوقت نفسه، وصل فرد الشرطة اللي كان بيدور على المفتاح.
كان ماسك مجموعة مفاتيح، وقال إنه لقاها في درج المطبخ.
سارة أخدت المفاتيح منه بسرعة، واختارت واحدًا من بينها.
لكن إيدها كانت بتترعش لدرجة إنها حاولت تفتح باب غرفة الخدمات مرتين قبل ما المفتاح يدخل في مكانه.
أول ما الباب اتفتح، ظهر ممر صغير يؤدي إلى غرفة ضيقة فيها أدوات تنظيف وبعض الصناديق.
الفني دخل مع الضابط، وبدأوا يفحصوا الحيطان والأرض.
في آخر الغرفة، كان فيه دولاب معدني كبير متثبت في الحائط.
لما حاولوا يحركوه قليلًا، ظهر خلفه باب صغير.
باب مكنش واضح من أول نظرة.
بص الضابط لسارة.
الباب ده بيؤدي لفين؟
سارة حطت إيدها على بوقها.
أنا… أنا معرفش.
الضابط طلب منها تقف بعيد، وبعدها فحص الباب.
كان مقفولًا بقفل معدني.
طلبوا من سارة المفتاح الخاص بيه.
قالت إنها معندهاش مفتاح.
لكن لما الضابط سألها ليه فيه باب مقفول داخل بيتها من غير ما تعرف بيؤدي لفين، بدأت تبكي بصوت أعلى.
أنا كنت واقف في الممر، وقلبي بيدق بعنف.
من ورا الباب، مكنش فيه أي صوت.
لا بكاء.
ولا خبط.
ولا حركة.
بدأ الخوف يسيطر عليّا.
يمكن يكون الصوت جاي من مكان تاني.
يمكن يكون ابني مش هنا.
يمكن نكون بنطارد أملًا كاذبًا، وأنا هضطر أرجع البيت وأشرح لمراتي إننا رجعنا لنقطة الصفر.
لكن قبل ما الأفكار دي تسيطر عليّا بالكامل، ليان شدت إيدي.
وقالت
بابا، هو مش بعيد. أنا حاسة بيه.
بصيتلها.
وبعدين بصيت للباب المقفول.
وفي اللحظة دي، سمعت صوتًا خافتًا جدًا.
صوت احتكاك من الناحية التانية.
الضابط رفع إيده فورًا، وطلب من الجميع يسكتوا.
مرت ثوانٍ طويلة.
وبعدين جه صوت ضعيف، بالكاد يتسمع.
بابا…؟
اتجمد الدم في عروقي.
الصوت كان ضعيفًا، ومتعبًا، لكنه كان صوت ابني.
صوت ياسين.
صرخت من غير ما أحس
ياسين! أنا هنا يا حبيبي!
اندفعت ناحية الباب، لكن الضابط وقفني برفق.
استنى! لازم نفتح المكان بأمان.
بدأ أفراد الشرطة يتعاملوا مع القفل، والفني بيشرح لهم إنهم لازم يتأكدوا من استقرار الجزء المحيط بالباب.
كنت واقف مكاني، وبحاول أسمع أي صوت تاني.
ليان كانت بتعيط، وبتكرر
أخويا هنا! قلتلكم إنه هنا!
أما سارة، فكانت واقفة في آخر الممر، ووشها شاحب تمامًا.
وفجأة، لما الضابط طلب منها تبعد عن الباب، قالت جملة خلتني ألف ناحيتها بسرعة.
أرجوكم… قبل ما تفتحوه، لازم أقول لكم حاجة.
بصيتلها وأنا مش قادر أصدق اللي بسمعه.
إيه اللي لازم تقوليه يا سارة؟
حاولت تتكلم، لكن صوتها اختفى.
وبعد ثوانٍ، قالت
أنا مكنتش أعرف إنه لسه عايش.
الكلمات نزلت عليّا كأنها صاعقة.
مكنتش أعرف إنه لسه عايش؟
يعني إيه؟
يعني هي كانت تعرف إنه كان هنا؟
قبل ما أقدر أسألها، سمعنا صوت ابني من الناحية التانية مرة تانية.
بابا… أنا تعبان.
في اللحظة دي، كل حاجة تانية اختفت من تفكيري.
مبقتش بفكر في أختي، ولا في البيت، ولا في الأسرار اللي كانت مخبياها.
كان كل اللي يهمني إني أوصل لابني.
فرد الشرطة نجح أخيرًا في فتح القفل.
والباب بدأ يتحرك ببطء.
لكن أول ما اتفتح جزء صغير منه، الضابط رفع إيده وطلب من الجميع يثبتوا مكانهم.
لأن اللي ظهر قدامنا كان أكبر بكتير من مجرد مساحة خدمات عادية.
كان فيه ممر ضيق نازل لتحت، وفي نهايته باب تاني.
باب حديدي قديم.
وعليه قفل من الخارج.
الفصل الثالث الباب الحديدي
الضابط محمود طلب دعمًا إضافيًا، واستدعى الإسعاف قبل ما يسمح لأي حد ينزل للممر.
كان المكان ضيقًا، والإضاءة ضعيفة، وفيه رائحة رطوبة واضحة.
الفني فحص المدخل، واتأكد إن مفيش خطر مباشر من انهيار الجزء المحيط بيه.
بعدها، نزل الضابط مع أحد أفراد الشرطة، بينما طلب مني أستنى فوق.
لكن إزاي كنت هقدر أستنى؟
ابني كان على بعد خطوات مني بعد 14 شهر من الغياب.
قلت للضابط
أرجوك، ده ابني.
رد بحزم، لكن بصوت هادي
وأنا فاهم ده. بس لازم نتأكد إن المكان آمن قبل ما ندخلك.
فضلت واقف عند المدخل، وبسمع أصوات خطواتهم وهي بتبعد.
بعد لحظات، سمعت صوت الضابط بينادي
ياسين؟ إنت سامعني؟
جاء الرد ضعيفًا
أيوه…
صوت ابني.
صوت ابني الحقيقي.
حطيت إيدي على الحيطة عشان أسند نفسي.
ليان كانت جنبي، بتبكي وبتقول
هو هناك يا بابا. أنا قلتلك.
مقدرتش أرد عليها.
كل اللي قدرت أعمله إني مسكت إيديها، وأنا بحاول أمنع نفسي من الانهيار.
بعد دقيقة تقريبًا، سمعت الضابط بيقول
إحنا هنفتح الباب. متخافش.
وبعدين سمعنا صوت القفل وهو بيتحرك.
صوت معدني خشن، وبعده صوت الباب الحديدي وهو بيتفتح ببطء.
مرت ثوانٍ.
وبعدين سمعت الضابط ينادي على زميله
هات الإسعاف هنا فورًا!
في اللحظة دي، مقدرتش أستنى أكتر.
نزلت أول درجتين، لكن أحد أفراد الشرطة وقفني.
استنى هنا يا فندم، من فضلك.
وبعد ثوانٍ، ظهر الضابط محمود عند المدخل.
بصلي وقال
ابنك موجود. لكنه محتاج رعاية طبية فورًا.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
هو كويس؟ بيتكلم؟ واعي؟
واعي، لكن حالته محتاجة تقييم طبي عاجل. الإسعاف قربت توصل.
سألته
أقدر أشوفه؟
هز راسه.
هتقدر، أول ما نأمن المكان.
بعد لحظات، سمحلي أنزل برفقة أحد أفراد الشرطة.
الممر كان ضيقًا، والسلالم بتنزل إلى غرفة صغيرة تحت مستوى البيت.
كانت الغرفة فيها سرير بسيط، وبطانية، وترابيزة صغيرة عليها زجاجات مياه وأطعمة مغلفة.
وعلى الحيطة، كان فيه مصباح ضعيف.
في آخر الغرفة، كان ابني قاعد على السرير، لابس ملابس واسعة، ووشه شاحب.
شعره كان أطول بكتير من آخر مرة شوفته فيها.
ولما رفع عينيه ناحيتي، حسيت إن قلبي اتوقف.
كان ياسين.
ابني.
الطفل اللي دورت عليه في الشوارع والمستشفيات والغابات والمباني المهجورة.
الطفل اللي كنت بحلم كل ليلة إنه يرجع البيت.
كان قدامي.
حي.
بصلي، وحاول يتكلم.
بابا…
جريت ناحيته، لكن الضابط أشار لي أتحرك بهدوء عشان حالته.
قعدت جنبه، ومسكت إيده.
كانت باردة وضعيفة.
قلت بصوت مكسور
أنا هنا يا حبيبي. أنا هنا.
بصلي وكأنه مش مصدق.
إنت جيت؟
هزيت راسي، والدموع نازلة من عيني.
أيوه يا حبيبي. جيت آخدك البيت.
سألني بصوت ضعيف
ماما عارفة إني هنا؟
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
14 شهر وهو بيسأل نفسه إذا كنا لسه بندور عليه.
قلتله
ماما عمرها ما بطلت تدور عليك. كل يوم كانت مستنياك ترجع.
غمض عينيه لحظة، وبعدها قال
كنت فاكر إنكم نسيتوني.
حسيت إن الكلام قطع نفسي.
مستحيل يا ياسين. مستحيل ننساك.
في اللحظة دي، ليان ظهرت عند مدخل الغرفة، وكانت الشرطة سمحت لها تقف بعيدًا شوية.
أول ما شافها، رفع رأسه بصعوبة.
ليان؟
جريت ناحيته، لكن الضابط طلب منها تقف لحظة لحد ما المسعفين يوصلوا ويأكدوا إن المكان آمن.
ليان كانت بتعيط وبتقول
أنا سمعتك يا ياسين! أنا كنت عارفة إنك هنا!
ياسين حاول يبتسم.
كنتِ بتسمعيني؟
هزت راسها بسرعة.
أيوه. أنا قلت لبابا إنك تحت.
في اللحظة دي، دخل المسعفون، وبدأوا يفحصوا ياسين.
قاسوا علاماته الحيوية، واطمنوا على وعيه، وقرروا نقله للمستشفى فورًا.
قبل ما يخرجوا بيه، الضابط محمود قرب منه وسأله
ياسين، تقدر تقول لنا إيه اللي حصل؟
الطفل بصلي، وكأنه محتاج يتأكد إني مش هسيبه.
مسكت إيده وقلت
مش لازم تحكي دلوقتي يا حبيبي. أهم حاجة إنك بقيت معانا.
لكنه هز راسه وقال بصوت ضعيف
عايز أقول لكم.
الضابط قرب منه.
ياسين أخد نفسًا طويلًا، وبعدها بدأ يحكي.
قال إنه يوم اختفائه، كان بيلعب في جنينة بيت جده، وإنه افتكر إنه سمع حد بينادي عليه من ناحية البوابة الجانبية.
لما راح يشوف مين، لقى رجلًا يعرفه من قبل، وكان بيزور بيت العيلة أحيانًا.
الرجل قال له إن فيه مفاجأة مستنياه في مكان قريب، وإنه لازم يروح معاه لدقايق.
ياسين وافق، لأنه كان فاكر إن الشخص ده صديق للعيلة.
بعدها، اتنقل إلى مكان تاني، وفقد القدرة على التواصل معانا.
كان خايف ومش فاهم إيه اللي بيحصل، وكل مرة كان يسأل عن بابا وماما، كانوا يقولوا له إننا مش هنيجي.
لكن ياسين فضل محتفظًا بالأمل.
قال إنه اتنقل بين أكتر من مكان خلال الشهور الأولى، وبعدها وصل للبيت اللي كنا فيه.
وسارة كانت بتعرف بوجوده.
عند سماع اسم أختي، رفعت رأسي بسرعة.
سارة كانت عارفة؟
ياسين هز راسه ببطء.
أيوه يا بابا. أنا شوفتها هنا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
سارة كانت أختي.
الشخص اللي وقف جنبي في أصعب أيام حياتي.
الشخص اللي كنت بعتبره سندًا لمراتي وبنتي وقت غيابي.
كانت عارفة إن ابني موجود تحت بيتها؟
قبل ما أقدر أستوعب الكلام، الضابط محمود قال
هنحتاج نسمع أقواله بالتفصيل بعد ما يستقر

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *