الصوت الى جاى من تحت الارض
تقرر دلوقتي. خلينا نركز على ياسين، ونسيب القانون ياخد مجراه.
كانت محقة.
في الأيام التالية، بدأت الصورة القانونية تتضح.
الشرطة جمعت الأدلة المتعلقة بسامح وعادل، وراجعت التحويلات المالية والرسائل والمكالمات.
وبعد استكمال التحقيقات، أُحيلت الوقائع التي توافرت بشأنها أدلة إلى الجهات القضائية المختصة، لتحديد مسؤولية كل شخص وفقًا لما ثبت عليه.
أما عمي محمود، فاعترف بأنه أخفى معلومات مهمة بسبب خوفه على شركته، وقدم الرسائل التي تلقاها من سامح.
كريم اعترف بأنه سكت عن تفاصيل رآها يوم اختفاء ياسين، وقدم المستندات التي احتفظ بها.
وسارة قدمت إفادتها عن الفترة التي عرفت فيها بوجود ياسين في البيت، وأوضحت ما حدث بينها وبين سامح.
لكن الحقيقة القانونية لم تكن بسيطة.
لم يكن كل شخص ورد اسمه في الأوراق مسؤولًا عن كل ما حدث، ولم يكن كل اعتراف كافيًا وحده لإثبات كل الاتهامات.
كان لا بد من مراجعة الأدلة، ومواجهة الأقوال بالتسجيلات والمستندات، وترك الفصل النهائي للقضاء.
بالنسبة لي، لم تكن القضية مجرد أرقام وتحويلات ومستندات.
كانت 14 شهرًا من عمر ابني لا يمكن إعادتها.
كانت ليالي قضتها نجلاء وهي تبكي في أوضة ياسين.
كانت أسئلة ليان التي لم أكن أعرف كيف أجيب عنها.
وكانت كل مرة أسمع فيها جرس الهاتف، وأتمنى أن يكون المتصل شخصًا يحمل خبرًا عن ابني.
لكن وسط كل ده، كان عندي شيء أهم من أي شيء آخر.
ابني رجع.
وفي يوم الجمعة، بعد مرور ثلاثة شهور على اكتشافه في بيت سارة، قررنا نخرج كلنا إلى الحديقة العامة القريبة من بيتنا.
كانت أول مرة ياسين يطلب بنفسه إنه يخرج لمكان مفتوح من غير ما يكون عنده موعد طبي.
نجلاء جهزت لنا بعض الطعام، وليان أخذت كرة صغيرة، وأنا حملت حقيبة فيها المياه وبعض الحاجات اللي ممكن نحتاجها.
لما وصلنا، اختار ياسين مكانًا قريبًا من شجرة كبيرة.
قعدنا جميعًا على العشب، وبدأت ليان تحكيله عن المدرسة.
بعد شوية، قامت تجري بالكرة، وطلبت منه يلعب معاها.
تردد للحظات.
بصلي، وكأنه مستني مني أقول له إنه يقدر يشارك.
ابتسمت وقلت
لو حابب، العب معاها. ولو تعبت، نقدر نقعد ونرتاح.
قام ببطء، ومشي ناحيتها.
في البداية، كان لعبهم هاديًا.
ليان ترمي الكرة، وياسين يرجعها لها.
وبعد دقائق، بدأ يضحك.
ضحكة حقيقية.
من النوع اللي كنت فاكر إني مش هسمعه تاني.
نجلاء بصتلي، وابتسمت، لكن عينيها امتلأت بالدموع.
قلت لها بهدوء
بدأ يرجع.
ردت
هو رجع من يوم ما دخل البيت. بس دلوقتي بدأ يحس إنه يقدر يعيش من جديد.
فضلت أراقب الطفلين وهما بيلعبوا.
وفكرت في اليوم اللي ليان حطت فيه ودنها على أرضية بيت سارة.
لو كنا تجاهلنا كلامها، لو كنا افترضنا إنها بتتخيل، لو كنا مشينا من البيت من غير ما نتأكد، كان ممكن الحقيقة تفضل مخفية لفترة أطول.
لكننا سمعناها.
وأخذنا كلامها بجدية.
وده كان بداية النهاية لأطول فترة خوف عشناها.
بعد ما رجعنا البيت، ياسين طلب يقعد معايا شوية في الشرفة.
قعدنا جنب بعض، وهو بيبص للشارع الهادي.
قال فجأة
بابا، هو أنا هنسى اللي حصل يومًا ما؟
فكرت قبل ما أجاوبه.
كنت عايز أقوله إنه هينسى كل حاجة، وإن الأيام الصعبة هتختفي تمامًا.
لكنني كنت عارف إن ده وعد مش مضمون.
قلت له
ممكن بعض الذكريات تفضل معاك، يا حبيبي. لكن مع الوقت، ومع المساعدة، ممكن تبقى أقل إزعاجًا، ومش هتتحكم في حياتك زي الأول.
بصلي.
يعني هقدر أرجع طبيعي؟
ابتسمت.
إنت مش محتاج ترجع نسخة من نفسك قبل اللي حصل. إنت تقدر تكبر، وتتعلم، وتفرح، وتعيش حياتك، حتى لو احتجت وقتًا عشان تتعافى.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا عايز أبقى مهندس لما أكبر.
ضحكت.
ليه مهندس؟
قال بحماس بسيط
عشان أبني بيوت مفيهاش أماكن سرية تحت الأرض.
ضحكت من قلبي، وبعدها ضحك هو كمان.
كانت أول مرة يحوّل جزءًا من ذكرياته إلى نكتة صغيرة من غير ما يظهر عليه الخوف.
قلت له
فكرة كويسة. بس أهم حاجة لما تبني البيوت، تخليها آمنة لكل اللي عايشين فيها.
هز راسه.
وبعد لحظات، قال
بابا، ممكن أسألك عن عمو محمود؟
كنت متوقع السؤال ده.
قلت
طبعًا.
سألني
هو عمل حاجة غلط؟
رديت بحذر
فيه ناس كبار عملوا اختيارات غلط، وفيه أمور لسه القانون بيحدد مسؤولية كل شخص فيها. لكن إنت مش مطلوب منك تحكم على حد، ولا تتحمل أي مسؤولية عن اللي حصل.
قال
أنا كنت بحبه.
حسيت بالحزن في صوته.
قلت له
فاهم يا حبيبي. ومش لازم تمسح كل الذكريات الحلوة اللي كانت عندك مع أي شخص، لكن من حقك تزعل لو عرفت إنه أخفى عنك حاجة مهمة أو ما ساعدكش وقت ما كنت محتاجه.
ياسين فضل ساكتًا.
وبعدين قال
أنا مش عايز أشوفه دلوقتي.
قلت
وده حقك. محدش هيجبرك تقابل حد إنت مش مستعد تشوفه.
هز راسه، وبدا عليه الارتياح.
في الأسابيع التالية، بدأت حياتنا تستقر أكثر.
رجع ياسين للمدرسة تدريجيًا، بمساعدة المدرسين والأخصائي اللي كان بيتابع حالته.
ليان بدأت ترجع لروتينها المعتاد، وبقت تتكلم عن أخوها في المدرسة من غير ما تشعر إنها مضطرة تثبت لأي حد إنه رجع فعلًا.
ونجلاء بدأت تستعيد قدرتها على النوم بشكل أفضل.
أما أنا، فتعلمت إنني مش لازم أكون قويًا طول الوقت.
كان فيه أيام بفتكر فيها كل اللي حصل، وأحس بالغضب والحزن.
لكن بدل ما أخبي مشاعري، بدأت أتكلم مع نجلاء، وأطلب المساعدة لما أحتاجها.
كنا بنحاول نبني حياة جديدة، حياة فيها مساحة للذكريات، لكن كمان فيها مساحة للأمل.
وبعد مرور ستة شهور على رجوع ياسين، وصلتنا رسالة من نادين.
كانت بتقول إن التحقيقات وصلت لمرحلة متقدمة، وإن فيه جلسة جديدة هتتحدد للنظر في الأدلة المقدمة.
ما كانتش رسالة فيها نهاية سريعة لكل الأسئلة، لكنها كانت خطوة أخرى ناحية المساءلة.
قرأت الرسالة، وقفلت الموبايل.
وبصيت ناحية أوضة المعيشة.
كان ياسين وليان قاعدين على الأرض، بيركبوا مجسمًا كبيرًا لبيت.
ليان كانت بتحاول تثبت السقف، وياسين بيشرح لها إزاي ترتب القطع عشان المجسم يبقى ثابتًا.
قال لها
استني، لازم نتأكد إن الأساس قوي الأول.
ليان ردت
إنت بتتكلم كأنك مهندس بجد!
ضحك ياسين وقال
أنا مهندس تحت التدريب.
وقفت أراقبهم من بعيد.
البيت اللي بيركبوه كان مجرد لعبة صغيرة.
لكن بالنسبة لي، كان معناه أكبر من كده.
كان معناه إننا بنبني من جديد.
مش نفس الحياة اللي كانت قبل اختفاء ياسين، لأن الحياة دي اتغيرت للأبد.
لكن حياة جديدة نقدر فيها نضحك، ونتكلم، ونخطط للمستقبل، ونخلي أولادنا يعرفوا إنهم مش لوحدهم.
وفي المساء، قبل النوم، دخلت أوضة ياسين عشان أطمن عليه.
كان مستلقيًا على السرير، وليان قاعدة على الكرسي جنبه وبتحكيله قصة.
لما شافني، ابتسم وقال
بابا، النهارده كان يوم حلو.
قعدت على طرف الكرسي.
الحمد لله يا حبيبي. إيه أكتر حاجة عجبتك فيه؟
فكر شوية، وبعدين قال
إني لعبت مع ليان، وإننا بنينا البيت، وإننا رجعنا كلنا مع بعض.
بصيت له، وحسيت إن قلبي امتلأ بمشاعر كتير.
قلت له
وأنا كمان يا حبيبي. وأنا ممتن إننا بقينا مع بعض.
ليان رفعت إيدها وقالت
وأنا كمان! بس بكرة أنا اللي هختار اللعبة.
ياسين ضحك.
موافق، بس بشرط تختاري حاجة نعرف نركبها من غير ما السقف يقع.
ضحكت ليان، وبدأت تتكلم عن اللعبة اللي هتختارها.
خرجت من الأوضة وأنا بسمع صوتهم، ووقفت لحظة عند الباب.
قبل شهور، كنت واقف في بيت أختي، بسمع تلات خبطات ضعيفة جاية من تحت الأرض.
كنت فاكر وقتها إن اللحظة دي هتكون بداية مواجهة صعبة مع الحقيقة.
ومكنتش غلطان.
الحقيقة كانت أصعب مما تخيلت، وكشفت أسرارًا وقرارات مؤلمة، وأجبرتني أعيد التفكير في أشخاص كنت بثق فيهم طول عمري.
لكنها كشفت لي كمان حاجة مهمة.
إن الأمل مش معناه إننا نصدق أي حاجة من غير دليل، وإن الحب مش معناه إننا نسكت عن الغلط عشان اللي عمله قريب مننا.
الأمل الحقيقي إننا نفضل نبحث، ونتصرف بحكمة، ونطلب المساعدة، ونتمسك بحقنا في معرفة الحقيقة.
وإننا، مهما حصل، ندي نفسنا وأولادنا فرصة يبدأوا من جديد.
وفي آخر ليلة من السنة، وإحنا قاعدين كلنا على سفرة العشاء، بصيت لياسين وليان ونجلاء، وحسيت إن أهم انتصار حققناه مكنش إننا كشفنا سرًا أو عرفنا مين أخفى الحقيقة.
أهم انتصار كان إننا رجعنا عيلة من جديد، وإن ياسين بدأ يعرف إن ماضيه مش لازم يحدد مستقبله، وإن ليان عرفت إن صوتها مهم، وإن أي طفل من حقه يتسمع لما يقول إنه خايف أو محتاج مساعدة.
وبينما كنت ببص لهم، ياسين رفع رأسه وسألني
بابا، تعرف إيه أحسن حاجة حصلت لي السنة دي؟
ابتسمت وقلت
إيه يا حبيبي؟
رد ببساطة
إني رجعت البيت.
بصيت لنجلاء، فابتسمت والدموع في عينيها.
أما ليان، فمسكت إيد أخوها وقالت
وأنا أحسن حاجة حصلت لي إنك بقيت معايا تاني.
في اللحظة دي، عرفت إننا مهما خسرنا من وقت، ومهما كانت الحقيقة مؤلمة، فيه حاجات لسه تستحق إننا نحارب عشانها.
العيلة.
الأمان.
والفرصة اللي بنمنحها لبعض عشان نبدأ من جديد.
النهاية.