حماتى كانت تستكتر اللقمه على بناتى

جوه، بس ابتديت أحس إن الجبل اللي كان على صدري ابتدى يتزحزح شوية، مش عشان خاطرها، لا عشان خاطر ربنا، وعشان خاطر الراجل المحترم اللي قاعد قدامي ده واللي عمره ما قصر معايا في حاجة.
قعدت جنبه، وقلت له بصوت هادئ
يا محمود، اسمعني كويس اللي أمك عملته مش شوية، ولا كلمة هتتقال هتنسيني منظر بناتي وهما بيناموا جعانين، والۏجع اللي كان في قلبي وأنا شايفة الفرق بين ولاد سلايفك وبين بناتي. ده چرح في قلب الأم مش سهل يلتئم في يوم وليلة.
محمود نزل راسه بحزن وقال
حقك يا أم البنات، ومقدرش ألومك على كلمة واحدة بتقوليها.
كملت كلامي بحسم
بس أنا مش هكون زيها يا محمود. مش هبقى قاسېة ولا هستكتر لقمة ولا خدمة على حد محتاج، وخصوصًا لو تعبان وفي أواخر أيامه. أنا هقوم أعمل لها أحلى طبق شوربة وأكل طري يليق بصحتها، وهدخل أخدمها بعينيا، مش عشان هي استاهلت، بس عشان ربنا يبارك لي في بناتي، وعشان عيشنا و盐نا اللي بيننا وبينك. بس في حاجة واحدة لازم تكون عارفها كويس.
محمود رفع رأسه بلهفة وسألني
إيه هي يا أم البنات؟ جولي، كلو تحت أمرك.
قلبي محتاج وقت يا محمود. الخدمة والعناية هعملهم بما يرضي الله، وجوزي وأم عيالي هكون في ضهره ومعاه لحد آخر لحظة، بس ترجع تثق فيها أو تحضنها زي الأول؟ دي محتاجة وقت طويل لحد ما ربنا يربط على قلبي وينسى الۏجع.
محمود مسبنيش أخلص كلامي، ولقيته مد إيده مسك إيدي وباسها، ونزل دمعة حاړقة على إيدي وقال لي بصوت مبحوح من التأثر
ربنا يبارك لي فيكي وفي أصلك الطيب يا أم البنات. إنتِ أصيلة، وأنا دايما كنت عارف إن ربنا رازقني بست الكل.
قمت من جنبي، ودخلت المطبخ، وفتحت التلاجة، وطلبت من ربنا يقويني. طلعت الحاجات وابتديت أجهز الأكل لحماتي، وكل قطاعة بقطعها، وكل معلقة بحطها، كنت بفتكر وجه بناتي وبدعي ربنا إنهم ميكبروش ويشوفوا القسۏة دي من حد.
خلصت الأكل، وحطيته في صينية نضيفة، وطلعت بيها على أوضة

حماتي.
فتحت الباب بالراحة، لقيتها نايمة على السرير، وشعرها الأبيض مبعثر على المخدة، ووشها دبلان وباين عليه تعب السنين والمړض. أول ما فتحت الباب، فتحت عينها بصعوبة وبصت لي نظرة كأنها مش مصدقة.
قربت منها، وسحبت الكرسي وقعدت جنب السرير. بصيت في عيونها اللي كانت مکسورة، ولقيت الشفايف الناشفة بتتحرك وعايزة تقول كلمة بس الصوت مش طالع.
مديت إيدي، وسندت راسها بالراحة، ومسكت معلقة الأكل وبدأت أأكلها بهدوء، كأنها واحدة من بناتي.
وهي بتاكل، نزلت دمعة سخنة من عينها على خدها، وقالت بصوت واطي ومتقطع
سامحيني سامحيني يا بنتي، أنا كنت عميا وظالمة.
بصيت قدامي، ومردتش عليها بالكلام، بس ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وقلت في نفسي ربنا يسامحك يا طنط، وربنا هو اللي عالم باللي في القلوب.
سكتنا إحنا الاتنين، وفضلت قاعدة جنبها لحد ما خلصت أكلها وشربتها المية، وعدلت لها المخدة تحت راسها، وغطيتها كويس. وقبل ما أطلع من الأوضة، لقيتها نادت عليّا بصوت ضعيف
يا أم البنات تعالي هنا.
رجعت وقفت جنب السرير باستغراب، فمدت إيديها التعبانة، مسكت إيدي وقالت بحړقة
عايزة البنات نفسى أشوفهم وأضمهم قبل ما أموت، وأقولهم إن تيتا كانت غلطانة وحلوة منهم يسامحوني.
الكلمة دي هزتني من جوه، و حسيت إن الحجر اللي كان في قلبي ابتدى يلين، وابتديت أفكر هل أجيب البنات وأخليهم يشوفوها وهي بالحالة دي؟ ولا أسيبهم شوية لحد ما أهدي الدنيا؟
رجعت بعقلي لورا، ولقيت نفسي قدام مفترق طرق جديد، مش بس مع حماتي، دي مرحلة جديدة هتعلم بناتي إحنا بندي التربية والأصل إزاي للأجيال اللي طالعة!
ياترى أعمل إيه في الطلب ده؟ هل أسمح لبناتي يدخلوا يشفوها وهي تعبانة ويقربوا منها، ولا أستنى شوية؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *