حماتى كانت تستكتر اللقمه على بناتى
محضر من سعيد وسلايفنا، رافعين قضية حجر على الميراث، ومطالبين ببيع شقة العيلة وتقسيمها فوراً، ومقدمين بلاغ بإننا استولينا على دهب الحاجة وامتلكناها بطرق غير مشروعة!
محمود أول ما شاف الورقة، رجع البيت ووشه أصفر ومحبط، وقال لي بصوت مكسور
شفتي يا أم البنات وصلوا لفين؟ أخويا اللي ربيته وكنت بفتخر بيه، رافع عليّا قضية وعايز يبهدلنا في المحاكم! أنا مش خاېف على نفسي، أنا خاېف عليكم أنتوا، خاېف يجرجرونا في أقسام ومحاكم وإحنا في غنى عن ده كله.
قعدت قدامه، ومسكت إيديه بحنان، وابتسمت ابتسامة هادية وثابتة، وقلت بصوت كله يقين
ليه يا محمود بتقول كده؟ هو ربنا نام؟ ولا الحق راح فين؟ اسمع مني كويس إحنا ما كلناش حق حد، ولا سرقنا حاجة من تركة أمك. كل اللي عملناه إننا راضينا ربنا وخدمناها وهي في أواخر أيامها، والناس والشاهدين كلهم عارفين مين اللي خدم ومين اللي هرب. سيبها على الله، وإن شاء الله ربنا مش هيفضحنا ولا هيسيبنا.
محمود بص لي بعين مليانة امتنان وقال
مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا أم البنات.. إنتِ سند الحقيقي في الدنيا دي.
بدأت رحلة المحاكم. كنا بنزل من الصبح، أنا ومحمود، نلف على المحامين ونجهز الأوراق والإيصالات، ونسمع كلام يجيب الضغط من محامي سعيد اللي كان بيلفق التهم شمال ويمن. وفي يوم الجلسة الحاسمة في محكمة الأسرة والتركات، كنا واقفين قدام القاضي، وقلوبنا بتدب زي الطبول.
محامي سلايفنا وقف واتكلم بكل ثقة، وقال إن إحنا استولينا على الشقة والدهب، وإن المرحومة كانت مغيبَة عقلياً وممنوعة من التواصل مع باقي أولادها.
القاضي بص لنا بجدية وسأل محمود محتوى الرد إيه يا مدافع؟
محمود طلع الورقة اللي كانت أمي الله يرحمها كاتباها بخط إيدها قبل ما تتعب بفترة قصيرة، وبصمات أصابعها واضحة عليها، وكانت شهادة منها بإنها وهبت جزء من منقولاتها لمحمود شكراً على وقفته جنبها، وإن باقي التركة هينقسم شرعاً، وكتبت فيها بوضوح أنا سامحت محمود ومراته اللي رعوني وقت ما ولادي التانين باعوني.
القاضي قرأ الورقة، وبص
لسعيد ومحاميه نظرة حادة، وقال بصوت عالي
القضية مرفوضة شكلاً وموضوعاً، والأوراق رسميّة وصحيحة وممهورة ببصمة المرحومة بكامل رغبتها وقواها العقلية قبل ۏفاتها، والتركة تقسم شرعاً دون أي التفات لادعاءات باطلة!
حسيت إن الجبل اللي كان على صدري اتزحزح. بصيت لمحمود ولقيت دمعة فرحة بتنزل من عينه، وسعيد ومراته طلعوا من القاعة وهم بيكزوا على سنانهم، والكسرة باينة على وشوشهم، بعد ما عرفوا إن الطمع دايماً بقل صاحب آخره.
رجعنا البيت، وكان اليوم ده عيد بالنسبة لنا. جهزت أحلى غدا، وقعدنا أنا ومحمود وبناتنا على السفرة. الكبيرة بصت لنا وقالت ببراءة
ماما، بابا، إنتوا مبسوطين النهارده؟ شكلكم كده فرحانين أوي.
ضحكت وضميتها لصدري، وبصيت لمحمود وقلت
أه يا حبيبتي، مبسوطين عشان ربنا دايماً بينصر الحق، وعشان الطيب بيعيش والخير أصله ما يضيع ابداً.
محمود مد إيده وحطها على إيدي، وقال بصوت دافئ
الحمد لله يا أم البنات.. ربنا عوض صبرنا خير، وبكره عيالنا هيطلعوا يشوفوا إن الأصول والتربية الطيبة هي أثمن حاجة في الدنيا.
قعدنا سوا، وفتحت صفحة جديدة في حياتنا، صفحة عنوانها الصبر، والرضا، وإن مهما طال الظلم، فدايماً فيه بكرة أجمل، وربنا عمره ما بيضيع تعب حد بيعمل الخير بإخلاص وبقلب صافي.