انا كنت غنى

أفهم. إيه اللي حصل يوم ولادتي؟ وإيه علاقة سكايلا بالموضوع؟
أبويا أخد نفس طويل، وبدأ يحكي.
من سنين طويلة، قبل ما ثروتنا تكبر بالشكل اللي إحنا فيه دلوقتي، كان أبويا شريك والد سكايلا في شركة صغيرة. الاتنين بدأوا من الصفر، وكان بينهم اتفاق إن الأرباح تتقسم بالتساوي.
لكن لما الشركة نجحت، دخل فؤاد المنشاوي شريكًا في بعض المشروعات، وبدأت الخلافات بسبب الحسابات والفلوس.
في نفس الفترة، أمي كانت حامل بيا، ووالدة سكايلا كانت حامل بيها.
وفي يوم ولادتي، حصلت مشكلة كبيرة في المستشفى بسبب خطأ في تسجيل بعض الأوراق القديمة، واتأخر وصول مستندات تخص العيلتين.
أبويا كان وقتها في المستشفى، وهناك قابل والد سكايلا، اللي كان بيحاول يوصله بعد ما اكتشف مخالفات مالية في الشركة.
قال أبويا بصوت مكسور
أبوكي سلّمني مستندات تثبت إن فؤاد كان بيحوّل فلوس الشركة لحسابات خاصة بيه. وطلب مني أحافظ عليها لحد ما يقدر يواجهه. لكن أنا خفت على عيلتي، وخفت أخسر كل اللي بنيته، فقررت أسكت.
سألته بغضب
وسكوتك ده خلّى أبو سكايلا يختفي؟
هز راسه بحزن.
بعد المقابلة دي، أبوكي اختفى فعلًا. وأنا فضلت سنين مش عارف هو هرب ولا حصله إيه. لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده، إنه كان عايش، وإن فؤاد كان بيهدده عشان يمنعه من كشف المستندات.
بصيت لسكايلا، لقيتها بتعيط، لكنها كانت بتسمع كل كلمة باهتمام.
أبويا كمل
أما شهادة المستشفى اللي في إيدك، فهي مجرد إثبات لوجودي هناك يومها. مفيش أي سر في نسبك، ولا أي علاقة بين الشهادة دي وبين هويتك. أنا كنت غلطان لما خوّفتك بالكلام ده، وخلّيتك تتخيل حاجات مش حقيقية.
اتنفست براحة، لكن الغضب اللي جوايا مراحش.
قلتله
يعني كل السنين دي كنت تقدر تساعد أبو سكايلا، وتقول الحقيقة، لكنك اخترت السكوت؟
أبويا نزل راسه.
أيوه. وأنا مش هطلب منك تسامحني بسهولة.
في اليوم التالي، قررنا نتحرك بشكل قانوني.
اتفقنا مع محامٍ متخصص في النزاعات التجارية، وقدمنا له المستندات اللي كانت مع خال سكايلا، وصور العقود المختلفة، وشهادة المستشفى.
المحامي اكتشف اختلافات مهمة بين النسخ، وطلب فحص التوقيعات ومراجعة الحسابات القديمة.
وبعد مراجعة الأدلة، اتضح إن عقد التنازل اللي كان فؤاد بيستخدمه ضد سكايلا فيه مخالفات خطيرة، وإن فيه مستندات اتغيّرت بعد توقيع الاتفاق الأصلي.
كمان ظهرت سجلات مالية قديمة بتثبت إن والد سكايلا كان ليه نصيب في أرباح الشركة، وإن جزءًا من الأموال اللي اتجمعت على مدار السنين كان محل نزاع حقيقي.
الموضوع احتاج شهور من التحقيقات والإجراءات القانونية، لكن فؤاد مبقاش قادر يضغط على سكايلا بنفس الطريقة.
وفي النهاية، المحكمة رفضت مطالبته بالاستيلاء على بيت العيلة بناءً على العقد المختلف عليه، وقررت مراجعة الحقوق المالية المتنازع عليها وفقًا للأدلة.
أما والد سكايلا، فقدم شهادته كاملة، واعترف بكل اللي يعرفه عن اختفائه وعن المستندات القديمة.
ولأول مرة من سنين، قدرت سكايلا تزور بيت طفولتها من غير ما تخاف إن حد يطردها منه.
وقفت في وسط الصالة القديمة، ولمست الحيطة اللي كانت أمها بتحط عليها صور العيلة، وعيطت.
أبوها قرب منها وقال
سامحيني يا بنتي. أنا ضيعت سنين من عمرك، ومهما عملت مش هقدر أعوضك عنهم.
سكايلا فضلت ساكتة لحظات، وبعدها حضنته.
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل، يا بابا. بس نفسي نبدأ من جديد، من غير أسرار ولا كدب.
ومن اليوم ده، بدأ يحاول يعوضها عن السنين اللي ضاعت، خطوة بخطوة، من غير ما يطلب منها إنها تسامحه قبل ما تكون مستعدة.
أما والدتها، فبعد ما استقرت حالتها الصحية، عرفت إن زوجها رجع أخيرًا، وإن بنتها قدرت تحافظ على بيت العيلة.
ولما شافتهم قاعدين جنب بعض، مسكت إيديهم ودموعها بتنزل.
وقالت
أنا كل اللي كنت بتمناه إني أشوفكم متجمعين تاني قبل ما أمشي من الدنيا.
سكايلا حضنتها وقالت
إنتِ مش هتمشي في أي حتة يا ماما. إحنا لسه قدامنا عمر طويل، وهنعيشه سوا.
لكن كان لسه فيه شخص لازم أواجهه.
أبويا.
بعد ما كل حاجة هديت، طلبت منه نقعد لوحدنا.
قلتله
أنا مش هقدر أتعامل معاك كأن مفيش حاجة حصلت. إنت خبيت الحقيقة، وسكت عن ظلم ناس كانوا يستحقوا يعرفوا حقوقهم.
أبويا هز راسه وقال
عارف يا ابني. وأنا مستعد أصلح اللي أقدر عليه.
وبالفعل، بدأ يتعاون مع المحامي لكشف الحسابات القديمة، وتسوية الحقوق المالية اللي ثبتت بالأدلة.
مكنش ده معناه إن كل حاجة اتصلحت، لكنه كان أول قرار حقيقي يتخذه عشان يتحمل مسؤولية أخطائه.
أما أنا، فكان لازم أواجه غلطة تانية عملتها بإيدي.
غلطة تخص سكايلا نفسها.
في مساء هادي، طلبت منها نتقابل في نفس المكان اللي كنا بنقعد فيه أيام الجامعة.
لما وصلت، كانت قاعدة على الكرسي اللي بتحبه، وقدامها كوب قهوة.
قعدت قصادها، وفضلت ساكت شوية.
بعدين قلت
سكايلا، أنا لازم أعترفلك بحاجة.
بصتلي باهتمام.
أخدت نفس عميق وقلت
أنا مكنتش مريض. مفيش مرض خطير، ومفيش علاج كنت محتاج أدفع تمنه. أنا كدبت عليكي عشان أختبر حبك ليا.
وشها اتغير تمامًا.
حاولت أكمل بسرعة
أهلي وأصحابي فضلوا يشككوني فيكي، وأنا بدل ما أثق فيكي وأحكم على علاقتنا من اللي شفته منك، صدقت كلامهم. كنت عايز أتأكد إنك بتحبيني أنا، مش فلوسي.
سكايلا حطت الكوباية على الترابيزة، وبصتلي بصدمة.
يعني إنت كنت بتختبرني؟ وإنت عارف إني كنت ببيع عربيتي وبشتغل ليل ونهار عشان أساعدك؟
نزلت راسي.
أيوه. وأنا عارف إن مفيش أي مبرر للي عملته.
عينيها دمعت، لكنها مسحت دموعها بسرعة وقالت
عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك كدبت عليّا. لكن إني كنت فاكرة إنك الشخص الوحيد اللي أقدر أحكيله خوفي وضعفي من غير ما أحس إني لازم أثبتله إني أستحق حبه.
حاولت أمسك إيدها، لكنها سحبتها بهدوء.
أنا حبيتك بصدق، ومطلبتش منك فلوس، ولا طلبت منك تنقذني. كنت محتاجة بس أحس إنك واثق فيا.
قلت لها والدموع في عيني
أنا آسف. ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. أنا بس عايزك تعرفي إني فهمت قد إيه جرحتك.
قامت من مكانها، وفضلت واقفة قدامي لحظات.
وبعدين قالت
أنا محتاجة وقت يا حبيبي. مش عشان مبقتش بحبك، لكن عشان أقدر أعرف إذا كنت هقدر أثق فيك تاني.
وهنا فهمت إن الاعتذار مش زرار بدوس عليه فترجع الأمور زي الأول.
سيبتها تمشي، ومطلبتش منها وعد، ولا حاولت أضغط عليها بدموعي.
ولأول مرة، قررت أديها المساحة اللي تستحقها.
عدّت شهور.
خلال الفترة دي، بطلت أحاول أثبت حبي بالكلام والهدايا الغالية، وبدأت أثبته بالأفعال.
دعمت سكايلا في دراستها من غير ما أتدخل في قراراتها، واحترمت رغبتها إنها تعتمد على نفسها، ووقفت جنبها لما كانت هي اللي تطلب وجودي.
والأهم، إني بطلت أسمح لأي حد يشككني فيها من غير سبب حقيقي.
وفي يوم تخرجها، وقفت وسط الناس وأنا شايفها طالعة تستلم شهادتها، ووشها منور بالفرحة.
افتكرت كل اللي مرت بيه شغلها، وعربيتها اللي باعتها، وخوفها على أمها، ومعركتها عشان تحافظ على حق عيلتها.
بعد الحفل، قربت منها واديتها وردة واحدة.
قلت لها
أنا فخور بيكي. مش عشان إنتِ حاربتي كل الظروف دي بس، لكن عشان عمرك ما بعتي مبادئك، حتى وإنتِ في أصعب لحظات حياتك.
ابتسمت، ولأول مرة من شهور، مسكت إيدي من نفسها.
وقالت
أنا شوفت التغيير اللي حصل فيك. ولسه عندي خوف من اللي حصل، بس أنا مستعدة أدي علاقتنا فرصة جديدة.
دموعي نزلت، وضحكت وأنا بمسحها.
وعد مني إني عمري ما هختبر حبك بالكذب تاني.
ردت بابتسامة
ومتختبرش حب أي حد بالطريقة دي أصلًا. اللي بيحبك بجد، مش لازم تحطه في مصيبة عشان تعرف قيمته.
بعد سنة، اتجوزنا في حفل بسيط، وسط أهلنا والناس اللي وقفوا جنبنا بصدق.
والغريب إن أكتر لحظة أثرت فيا مكنتش لحظة دخولي القاعة، ولا حتى لحظة ما لبستها الدبلة.
كانت لما سكايلا مسكت إيدي قدام الكل وقالت
أنا مش عايزة حياة كلها فلوس وهدايا. أنا عايزة حياة مفيهاش كدب، وكل واحد فينا يقدر يسند التاني من غير ما يخاف إنه يتساب وقت ضعفه.
حضنتها، وقلت لها
وده اللي هحاول أقدمهولك كل يوم.
وفي النهاية، فهمت إن أغلى حاجة في الدنيا مش الثروة اللي ممكن تورثها، ولا الفلوس اللي تقدر تجمعها أغلى حاجة هي الإنسان اللي يفضل جنبك وقت ما يفتكر إنك مبقاش عندك أي حاجة تقدمهاله.
لكن اتعلمت كمان درس أهم
الحب مش معناه إنك تضحي بكل حاجة لحد، ولا إنك تثبت إخلاصك باختبارات مؤذية.
الحب الحقيقي محتاج صدق، وثقة، واحترام، وحدود تحمي الطرفين.
وسكايلا، اللي كنت فاكر إني باختبر حبها، كانت في الحقيقة بتعلمني إزاي أحب من غير خوف، ومن غير شك، ومن غير كذب.
تمت بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *